![]() |
| الأعمال التجارية في القانون التجاري المغربي: دليل التجار. |
يشكل القانون التجاري المغربي إطارا قانونيا متكاملا لتنظيم الأنشطة التجارية والاقتصادية في المملكة، وتعتبر الأعمال التجارية حجر الأساس في هذا النظام القانوني، وهي تعبر عن الأعمال والأنشطة التي يضفي عليها المشرع الصفة التجارية، إما بطبيعتها، أو بحسب شكلها، أو بالتبعية، أو لكونها أعمالا مختلطة، وذلك وفقاً لمقتضيات مدونة التجارة والاجتهاد الفقهي والقضائي، و يترتب على تحديدها وتمييزها عن غيرها من الأعمال المدنية تطبيق قواعد قانونية خاصة تنظم نشاط التجار والمعاملات التجارية.
وانطلاقا من أهمية هذا الموضوع في الحياة العملية، يهدف هذا الدليل إلى توضيح مفهوم الأعمال التجارية في القانون التجاري المغربي، وبيان مختلف تصنيفاتها القانونية، مع التطرق إلى أبرز الأعمال التجارية المستجدة التي فرضها التطور التكنولوجي و الرقمي ولم يواكبها بعد تنظيم تشريعي خاص، وذلك بأسلوب مبسط موجه للتجار وأصحاب المشاريع لمساعدتهم على استيعاب الإطار القانوني الذي يحكم أنشطتهم التجارية.
اولا: مفهوم الأعمال التجارية
يقصد بالأعمال التجارية الأنشطة القانونية أو المادية التي يضفي عليها المشرع المغربي الصبغة التجارية، إما بحسب طبيعتها، أو بحسب شكلها، أو بحسب صفة القائم بها، او بحسب صفة الغرض الذي تمارس من أجله، و تمثل هذه الأعمال جوهر القانون التجاري، فهي التي تحدد نطاق تطبيقه وتميزه عن القانون المدني، وقد اعتمد المشرع المغربي، على التعداد القانوني للأعمال التجارية ضمن مدونة التجارة في المواد 6-7-8-9-10، مع إقرار معايير مساعدة لتحديد الصفة التجارية للعمل، و ذلك على الشكل التالي:
- الأعمال التجارية بطبيعتها (الأصلية): و هي الأنشطة التي حددها المشرع في المادتين 6 و 7، والتي يكتسب من يزاولها صفة "تاجر" بشرط ممارستها على سبيل الاعتياد أو الاحتراف، و هي لم ترد على سبيل الحصر و انما على سبيل المثال فقط.
- الأعمال التجارية بالقياس والمماثلة: هي كل نشاط لم يرد صراحة في لائحة الاعمال الاصلية، ولكنه يتماثل او يتشابه في خصائصه و غاياته مع الأنشطة المذكورة في المادتين 6 و7، ويعتبر تجاريا إذا مورس باحتراف (المادة 8).
- الأعمال التجارية الشكلية: هي الأعمال التي تكتسب الصفة التجارية بناء على شكلها القانوني فقط، وبغض النظر عن صفة الشخص الذي قام بها سواء كان تاجراً أو غير تاجر (المادة 9).
- الأعمال التجارية بالتبعية: هي اعمال ترتبط بصفة القائم بها، و هي في الأصل أعمال مدنية، ولكنها تعتبر تجارية لأن التاجر قام بها بمناسبة تجارته ولحاجيات نشاطه المهني (المادة 10).
- الأعمال التجارية المختلطة: هي أعمال لا تقوم على صفة الأطراف، وإنما، ترتبط بصفة العمل ذاته بالنسبة لكل طرف، فتكون تجارية بالنسبة لاحد الطرفين و مدنية بالنسبة للطرف الاخر، حتى و ان كان كلاهما تاجران.
و تكتسي الأعمال التجارية أهمية بالغة في الحياة الاقتصادية، حيث تخضع لقواعد قانونية خاصة تختلف عن القواعد المدنية، سواء من حيث الإثبات، التقادم، أو الاختصاص القضائي، كما أن تحديد الطبيعة التجارية للعمل يترتب عليه آثار قانونية مهمة، منها إمكانية اكتساب صفة التاجر، وخضوع النزاعات للمحاكم التجارية، وتطبيق القواعد الخاصة بالإفلاس والتسوية القضائية.
ثانيا: التصنيف القانوني للأعمال التجارية
يعد التصنيف القانوني للأعمال التجارية من المواضيع الأساسية في القانون التجاري المغربي، لما له من أهمية في ضبط مفهوم العمل التجاري وتحديد نطاقه، ويهدف هذا التصنيف إلى بيان أنواع الأعمال التجارية والتمييز بينها، بما يساهم في توضيح الإطار القانوني الذي يحكم المعاملات التجارية المختلفة.
1- الأعمال التجارية بالطبيعة (الاصلية)
الاعمال التجارية بالطبيعة هي اعمال تكون تجارية تبعا لموضوعها بالاستقلال عن صفة الشخص الذي يقوم بها، و قد تم تعدادها في 18 عمل في المادة 6 من مدونة التجارة فيما يتعلق بالأنشطة البرية، و المادة 7 فيما يتعلق بالأنشطة البحرية و الجوية، و قد ورد النص عليها على سبيل المثال فقط لا الحصر و هي كالتالي:
![]() |
| الاعمال التجارية بالطبيعة. |
وسنعمل فيما يلي على تقديم شرح مبسط يهدف إلى إعطاء فكرة عامة عن الأعمال التجارية بطبيعتها و إبراز خصائصها الأساسية، تبعا للترتيب الذي جاءت به في المادتين 6 و 7 من مدونة التجارة:
1- شراء المنقولات المادية أو المعنوية بنية بيعها بذاتها أو بعد تهيئتها بهيئة أخرى أو بقصد تأجيرها:
و ضعت المادة 6 من مدونة التجارة هذه الاعمال في مقدمة الاعمال التجارية باعتبار ان الشراء لاجل البيع يمثل الشكل التقليدي للنشاط التجاري القائم على تحقيق الربح، و لكي يعد شراء المنقولات بنية بيعها او تأجيرها عملا تجاريا، لا بد من توفر الشروط التالية:
- أن يتم فعل الشراء.
- أن يقع الشراء على منقولات دون غيرها.
- وأن تكون لدى المشتري نية إعادة البيع أو التأجير منذ لحظة إبرام عملية الشراء.
- حصول عملية الشراء:
لا يقتصر مفهوم الشراء على اكتساب الملكية مقابل النقود فقط، بل يشمل كل انتقال للملكية بمقابل، ولو كان غير نقدي كالمقايضة، ويترتب على اشتراط تحقق الشراء لاعتبار العمل تجاريا استبعاد البيوع غير المسبوقة بالشراء، مثل بيع الاشياء الموروثة أو المكتسبة عن طريق الهبة أو الوصية، كما تستبعد أيضا الأعمال الزراعية، الإنتاج الفكري، والمهن الحرة، لانتفاء عنصر الشراء فيها و ذلك كما يلي:
الزراعة: تعد الزراعة وما يرتبط بها من أنشطة أعمالا مدنية، إذ ان بيع المزارع لمحصولاته لا يعتبر عملا تجاريا مهما بلغت قيمته، لكونه غير مسبوق بعملية شراء، وينطبق الأمر ذاته على الأعمال اللازمة للنشاط الزراعي، مثل استئجار الأرض وشراء البذور والأسمدة، وقد تصاحب العمل الزراعي بعض عمليات الشراء بقصد البيع، كاقتناء المواشي لخدمة الزراعة ثم بيعها لاحقا، الا ان هذه العمليات تضل مدنية ما دامت ثانوية ومكملة للنشاط الزراعي، أما إذا كانت مستقلة عنه أو غلبت عليه، كما في حالة تربية المواشي بقصد التسمين وإعادة البيع دون ارتباط بالزراعة، فإنها تكتسب الصفة التجارية.
الانتاج الفكري: لا يعتبر بيع المؤلف و الفنان لثمرة إبداعه عملا تجاريا، لكون هذا الإنتاج غير مسبوق بعملية شراء، ولا تتغير الطبيعة المدنية لهذا العمل حتى إذا تكفل المؤلف بطباعة كتابه على نفقته، أو قام الفنان بشراء الأدوات والمواد اللازمة للإبداع، لأن هذه الأعمال تعد ثانوية ومكملة للإنتاج الفكري، الذي يظل في جوهره نشاطا مدنيا.
المهن الحرة: من امثلتها المحاماة، الطب، و الهندسة، هذه المهن تعد أعمالا مدنية و لا تكتسب الصفة التجارية مهما بلغ المقابل المالي، لأنها تقوم على جهد علمي أو خبرة فنية ولم يسبقها عنصر الشراء، كما أن ما يتقاضاه القائم بها يعد أتعابا لا أرباحا، وقد يزاول صاحب المهنة الحرة بعض عمليات الشراء بقصد البيع، كبيع الطبيب للأدوية أو الطعام لمرضاه، غير أن هذه الأعمال تبقى ثانوية ولا تؤثر في الصفة المدنية ما دامت مرتبطة بالنشاط الأصلي، أما إذا غلبت هذه العمليات على العمل المهني، كما في حالة إنشاء مستشفى يهدف إلى الإيواء والتغذية مقابل الربح، فإنها تكتسب طابعا تجاريا وتصبح المهنة الأصلية تابعة لها.
- وقوع الشراء على منقولات:
لكي يعتبر الشراء بقصد البيع او الاستئجار عملا تجاريا بمفهوم الفقرة الاولى من المادة 6 من مدونة التجارة، يتعين ان يقع على منقولات، سواء كانت مادية كالبضائع او معنوية كالاوراق المالية، الاسهم، السندات، و براءات الاختراع.
- توافر قصد البيع او التأجير لدى المشتري:
لا يعد شراء المنقول عملا تجاريا إلا إذا تم بقصد إعادة بيعه أو تأجيره، أما إذا كان الغرض منه الاستعمال الشخصي فإنه يبقى عملا مدنيا، حتى لو قرر المشتري لاحقاً بيعه أو تأجيره، كما يشترط لاكتساب الصفة التجارية توفر قصد تحقيق الربح، فإذا انتفى هذا القصد زالت الصفة التجارية، كما هو الحال في التعاونيات التي تشتري السلع وتبيعها لأعضائها بسعر التكلفة.
2- اكتراء المنقولات من اجل اكرائها من الباطن:
يعد تأجير المنقولات، سواء كانت مادية أو معنوية، بقصد إعادة تأجيرها مرة اخرى (الكراء من الباطن) عملا تجاريا وفقا للمادة 6 من مدونة التجارة، شريطة أن يكون الهدف من هذا الاستئجار هو تحقيق الربح، أما إذا غاب قصد الربح، انتفى عنصر المضاربة، وبالتالي تزول الصفة التجارية عن هذا العمل.
3- شراء العقارات بنية بيعها:
يعد شراء العقارات بقصد بيعها عملا تجاريا، سواء تم بيعها على حالتها الأصلية أو بعد إدخال تغييرات عليها، أما شراء العقار بقصد تأجيره فلا يعتبر عملا تجاريا، لأن المادة 6 من مدونة التجارة حصرت الصفة التجارية في الشراء بقصد البيع فقط، ويعزى ذلك إلى أن اقتناء العقار دون نية بيعه يخرج من نطاق المضاربة التجارية، ويقترب أكثر من فكرة الاحتفاظ برأس المال.
4- التنقيب عن المناجم و المقالع و استغلالها:
رغم أن هذه الاعمال لا تقوم على شراء مسبق بقصد البيع، فقد اعتبرها المشرع المغربي أعمالا تجارية بنص القانون، ويشمل ذلك عمليات التنقيب عن المناجم كاستخراج الذهب والفضة والنحاس، إضافة إلى استغلال المقالع مثل الرمال والحجر، ويرجع إضفاء الصفة التجارية على هذه العمليات إلى أنها تمارس غالبا في إطار مشاريع كبرى ومنظمة تتطلب استثمارات مهمة، وتخضع لمنطق الربح والمضاربة، مما يبرر إخضاعها لأحكام القانون التجاري من حيث التنظيم والمسؤولية والاختصاص القضائي و غيرها.
5- النشاط الصناعي او الحرفي:
اعتبرت المادة 6 من مدونة التجارة الأنشطة الصناعية والحرفية من بين الأعمال التجارية الخاضعة لأحكام القانون التجاري.
النشاط الصناعي: يقصد به تحويل المواد الأولية أو السلع نصف المصنعة إلى منتجات قابلة للاستهلاك، مثل صناعة الآلات، الأقمشة، السكر وغيرها، ويكتسب هذا النشاط الصفة التجارية حتى وإن ارتبط باستثمار زراعي، متى كانت الصناعة هي النشاط الأساسي وكانت الزراعة مجرد نشاط تابع ووسيلة لخدمة الإنتاج الصناعي، كما هو الحال في شركات صناعة السكر أو الحليب التي تستغل أراضي زراعية لتموين مصانعها.
النشاط الحرفي: هو نشاط يمارس يدويا بعد اكتساب مهارة وخبرة مهنية، ويقوم به الحرفي لحسابه الخاص، بمساعدة أفراد عائلته أو شركائه او متعلمين او عدد محدود من الأجراء لا يتجاوز 10، أو باستعمال طاقة ميكانيكية بسيطة لا تفوق 10 خيول، ويتولى الحرفي بنفسه عمليات الإنتاج وتسويق المنتوج، و يزاول حرفته اما في مقاولة أو في منزله، ومن أمثلة ذلك حرفة الخياطة، النجارة، و الحلاقة.
6- النقل:
يعتبر النقل عملا تجاريا سواء كان بريا، نهريا، بحريا، جويا، و سواء كان بواسطة السيارات، القطارات، البواخر، الطائرات، و سواء تعلق الامر بنقل الاشخاص او الاشياء، و لا يعتبر النقل عملا تجاريا الا اذا توافر فيه عنصر المضاربة اي استهداف الناقل من ورائه تحقيق الربح و عليه لا يعتبر عملا تجاريا قيام الشخص بنقل بعض اصدقائه مجانا، و كذلك قيام ادارات الدولة بنقل موظفيها.
7- عمليات البنك و القرض و المعاملات المالية:
تعد العمليات البنكية والقروض والمعاملات المالية من الأعمال التجارية بطبيعتها، نظرا لارتباطها المباشر بالنشاط المالي وتحقيق الربح.
عمليات البنوك: يقصد بها أساسا عمليات الإيداع والائتمان، فالإيداع يشمل إيداع النقود والسندات، فتح الحسابات الجارية، الحوالات المالية، خصم الأوراق التجارية، وكذا كراء الخزائن الحديدية، أما عمليات الائتمان فتشمل عمليات تعتبر بطبيعتها التزاما بنكيا كالتزام البنك بوضع أموال رهن إشارة الزبون على أن تسترجع في أجل لاحق، كما تشمل صورا أخرى كالائتمان الإيجاري، كما تعد عمليات الصرافة أيضا من الأعمال البنكية، حيث تقوم على مبادلة العملات الوطنية بالعملات الأجنبية أو العكس، وقد أفرد المشرع المغربي قوانين خاصة لتنظيم القطاع البنكي نظرا لأهميته الاقتصادية.
عمليات القرض: تتمثل في منح مبلغ مالي لشخص معين على أن يلتزم بإرجاعه دفعة واحدة أو على أقساط وفق الآجال المحددة في العقد، وتزاول هذه العمليات غالبا من طرف البنوك وشركات التمويل.
المعاملات المالية: يقصد بها عمليات بيع وشراء القيم المنقولة المدرجة في بورصة القيم بقصد تحقيق الربح، (بورصة القيم هي بورصة الدار البيضاء السوق المنظم لتداول الأسهم والسندات في المغرب)، و من جهة اخرى، يعتبر شراء هذه القيم بنية إعادة بيعها عملا تجاريا طبقا للبند الاول من المادة 6 من مدونة التجارة، علما أن ممارسة هذه العمليات تقتصر قانونا على شركات البورصة المعتمدة.
8- التأمين بالاقساط التابثة:
نصت المادة 6 من مدونة التجارة صراحة على أن التأمين الذي يعد عملا تجاريا هو التأمين بالأقساط الثابتة، بخلاف التأمين التبادلي أو التعاضدي الذي يقوم على التعاون وتوزيع المخاطر بين مجموعة من الأشخاص دون هدف ربحي فلا يعد عملا تجاريا.
ويقوم التأمين بالأقساط الثابتة على تدخل المؤمن كوسيط بين أشخاص يواجهون مخاطر متشابهة، حيث يلتزم بتعويض المتضرر عند تحقق الخطر، مقابل أداء المؤمن لهم أقساطا ثابتة، ويمكن هذا النظام المؤمن من تغطية نفقاته وتحقيق الربح من الفارق بين الأقساط المحصلة والتعويضات المؤداة، ويقتصر مزاولة هذا النوع من التأمين في المغرب على شركات المساهمة المخول لها قانونا القيام بعمليات التأمين.
9- السمسرة و الوكالة بالعمولة و غيرهما من اعمال الوساطة:
تعد السمسرة والوكالة بالعمولة من أهم أعمال الوساطة التي اعتبرها المشرع من الأعمال التجارية اذا تمت بصفة اعتيادية وبقصد الربح.
السمسرة: هي عقد يكلف بمقتضاه السمسار من طرف شخص آخر بالبحث عن متعاقد وربط علاقة بين الطرفين قصد إبرام عقد معين، مقابل أجر يكون غالبا نسبة مئوية من قيمة الصفقة، وتكتسب السمسرة الصفة التجارية بنص القانون، سواء تعلقت الصفقة بعمل تجاري أو مدني، لأن دور السمسار يقتصر على التوسط دون أن يكون طرفا في العقد.
الوكالة بالعمولة: هي قيام شخص يسمى الوكيل بالعمولة، بإبرام تصرف قانوني باسمه الشخصي ولكن لحساب موكله، مقابل أجر أو عمولة، ويعد الوكيل بالعمولة طرفاً في العقد الذي يبرمه مع الغير، فتترتب عليه الحقوق والالتزامات الناشئة عنه، و بذلك يكون مسؤولا أمام الغير في حالة الإخلال بالتنفيذ، وهو ما يميزها عن الوكالة العادية التي لا تعد عملا تجاريا.
ويعتبر الوكيل بالعمولة شخصا مستقلا يمتهن إبرام المعاملات التجارية لفائدة تاجر، ولكن تحت اسمه الخاص، وغالبا ما يتخصص في مجالات معينة، مثل بيع أو شراء سلع محددة، أو تقديم خدمات النقل، أو الوساطة في القيم المنقولة.
وتندرج ضمن أعمال الوساطة بشكل عام كل الأنشطة التي تهدف إلى تسهيل التقاء العرض والطلب، مثل الوكالة التجارية التي هي عقد بموجبه يلتزم الوكيل بالتفاوض أو التعاقد بشكل معتاد بشأن عمليات بيع أو شراء، و بصفة عامة جميع العمليات التجارية باسم و لحساب تاجر او منتج او ممثل تجاري، مقابل أجر يؤديه هذا الأخير.
10- استغلال المستودعات و المخازن العمومية:
يعد استغلال المستودعات والمخازن العمومية عملا تجاريا، ويقصد به تخصيص أماكن أو محلات لإيداع و تخزين بضائع أو منقولات الغير على سبيل الوديعة، مقابل أجر، وتُثبت عمليات الإيداع بواسطة إيصالات مؤرخة وموقعة تتضمن بيانات أساسية، من بينها اسم المودع ومهنته وموطنه، إلى جانب المعلومات التي تحدد نوع البضاعة وقيمتها.
وتكتسي هذه الإيصالات أهمية خاصة، إذ تمكن من تداول البضائع أو رهنها مع بقائها داخل المخزن العمومي، حيث يرفق بكل إيصال بطاقة رهن تحمل نفس البيانات، بما يسمح باستعمال البضاعة كضمان للائتمان دون نقلها فعليا.
ويجوز لكل شخص يتوفر على الوسائل المادية اللازمة، وكذلك للشركات التجارية أو الصناعية أو الائتمانية، الحصول على رخصة لإنشاء المستودعات والمخازن العمومية، وذلك بعد استشارة الغرفة الفلاحية أو الصناعية أو التجارية المختصة، وتقديم الكفالة المطلوبة قانونا.
11- الطباعة و النشر بجميع أشكالها ودعائمها:
تنص المادة 6 من مدونة التجارة على اعتبار الطباعة عملا تجاريا متى تمت ممارستها على سبيل الاعتياد أو الاحتراف، غير أن هذه الصفة لا تنطبق على جميع أعمال الطباعة، إذ ان بعض المطابع لا تعد مؤسسات تجارية، خاصة تلك التابعة للإدارات العمومية، لكونها لا تستهدف تحقيق الربح وإنما تقتصر على تلبية حاجات إدارية أو مرفقية.
كما يعد النشر بدوره عملا تجاريا، لأن الناشر يقتني حقوق التأليف أو الأعمال الفنية بقصد نشرها وتسويقها لتحقيق الربح، أما إذا كان النشر يهدف فقط إلى نشر الأفكار أو المبادئ دون غاية ربحية، فإنه يحتفظ بطابعه المدني، ولا يقتصر النشر على الكتب والمؤلفات الأدبية والعلمية، بل يشمل أيضا نشر الأعمال الفنية بمختلف أشكالها، كالأقراص الصوتية، الأشرطة، الأفلام السينمائية، الفيديوهات وغيرها.
وبصفة عامة، تكتسب الطباعة والنشر الصفة التجارية عندما تمارس في إطار مقاولة منظمة او بشكل اعتيادي أو احترافي بهدف الربح وتسويق المعرفة أو الإنتاج الفني، أما الإنتاج الفكري الفردي، كقيام مؤلف بطباعة ونشر أعماله على نفقته الخاصة دون أن يشكل ذلك نشاطا تجاريا منظما، فيظل عملا مدنيا ولا يخضع لأحكام التجارة.
12- البناء و الاشغال العمومية:
تعد أعمال البناء والأشغال العمومية من الأعمال التجارية، وتشمل مختلف العمليات المرتبطة بالبناء، مثل التشييد والترميم والهدم، ولا تقتصر هذه الأعمال على إقامة المباني فقط، بل تمتد لتشمل إنجاز الطرق والجسور والسكك الحديدية، وحفر القنوات، وتشييد السدود، وغيرها من الأشغال العقارية ذات الطابع العام أو الخاص.
وفضلا عن ذلك، لا يتحقق الطابع التجاري لهذه الأعمال فقط من خلال تقديم الأدوات والمواد اللازمة لتنفيذ الأشغال، بل يمتد كذلك إلى مجرد توفير اليد العاملة دون الأدوات أو المواد، متى تم ذلك على سبيل الاعتياد والاحتراف.
13- مكاتب ووكالات الأعمال والأسفار والإعلام والإشهار:
مكاتب ووكالات الأعمال والأسفار: هي كيانات تقوم بدور الوساطة وتقديم الخدمات للغير (مثل تنظيم الرحلات، حجز الفنادق، بيع تذاكر الطيران والإقامة، تقديم عروض للحج والعمرة) مقابل عمولة أو أجر مادي.
وكالات الإعلام والإشهار: تهدف إلى تقديم خدمات تواصلية، سواء عبر نشر الأخبار أو تصميم الحملات الإعلانية وترويج المنتجات (في الصحف، الإنترنت) وهي تعتمد بشكل أساسي على المضاربة على الجهد الفكري والخدماتي لتحقيق الربح.
و تصنف مكاتب ووكالات الأعمال والأسفار والإعلام والإشهار ضمن الأنشطة التجارية بطبيعتها حسب المادة 6 من مدونة التجارة، وتكتسب صفتها التجارية لكونها تمارس في إطار مقاولة منظمة، حيث اصبح يعتمد عليها الأفراد والتجار ورجال الأعمال في قضاء مصالحهم اليومية، و لانها تستعمل وسائل التجارة من ائتمان ودعاية وغيرها، وهو ما يبرر إخضاعها للنظام التجاري رغم أنها لا تقوم على تداول الثروات بقصد المضاربة.
14- التزويد بالمواد والخدمات:
التزويد بالمواد والخدمات، بموجب المادة 6 من مدونة التجارة المغربية يعتبر عملا تجاريا يكتسب به صاحبه صفة التاجر إذا مارسه على وجه الاعتياد أو الاحتراف.
التزويد بالمواد: هو التزام شخص بتسليم سلع معينة الى الغير بصفة دورية و منتظمة خلال فترة زمنية معينة، (مثل توريد الاغدية الى المدارس او المستشفيات او الفنادق، توريد المحروقات و المواد الاولية الى المصانع).
التزويد بالخدمات: يقصد به كل تعهد بتقديم خدمات معينة الى الغير خلال فترة معينة كالتعهد بصيانة الاجهزة و المعدات (مثل تقديم خدمات النظافة والصيانة للمباني والشركات والمؤسسات، عقود صيانة الآلات والمصاعد والتجهيزات).
16- البيع بالمزاد العلني:
يعد البيع للجمهور بالمزاد العلني عملا تجاريا وفقا للمادة 6 من مدونة التجارة، ويقصد به كل بيع يفتح للعموم أو لفئة محددة من الأشخاص، بحيث يتاح للحاضرين المشاركة في المزايدة لاقتناء السلع أو المواد المعروضة، وترسى الصفقة في النهاية على المزايد الذي يتقدم بأعلى ثمن.
وتستند الصبغة التجارية للبيع بالمزاد العلني إلى توافر عناصر العمل التجاري بطبيعته في نشاط القائم به، إذ يقوم بدور الوسيط في تداول الثروات من خلال الربط بين البائعين والمشترين، كما يتحقق عنصر المضاربة والربح بحصوله على مقابل مالي غالبا ما يكون في شكل عمولة، وبناء على ذلك، تنتفي الصفة التجارية عن عمليات البيع بالمزاد العلني التي تجريها مصالح التنفيذ بالمحاكم في إطار مساطر التنفيذ الجبري للأحكام القضائية، وكذلك تلك التي تقوم بها مصالح الجمارك بخصوص الأشياء المحجوزة أو المصادرة، لغياب عنصر المضاربة وعدم استهداف هذه الجهات تحقيق الربح.
17- توزيع الماء والكهرباء والغاز:
يعد توزيع الماء والكهرباء والغاز عملا تجاريا متى تم ممارسته بصفة اعتيادية واحترافية، ويتمثل هذا النشاط في شراء وبيع (تزويد) المستهلكين بهذه المواد الحيوية مقابل أداء مالي، وقد انتقل هذا القطاع من احتكار الدولة إلى شركات خاصة في جل المدن المغربية (مثل الشركات الجهوية متعددة الخدمات)، وبموجب مدونة التجارة، فإن هذه الشركات تعتبر مقاولات تجارية، ويخضع نشاطها للقواعد المنظمة للأعمال التجارية.
18- البريد والمواصلات:
يعد نشاط البريد والمواصلات من الأعمال التجارية متى تمت ممارسته بصفة اعتيادية واحترافية، وذلك طبقا للمادة 6 من مدونة التجارة، وقد انتقل هذا القطاع من الاحتكار العمومي إلى فتحه أمام شركات القطاع الخاص، فأصبحت خدمات البريد والاتصالات تمارس في إطار مقاولات منظمة، حيث تم إحداث مؤسسة بريد المغرب، وشبكة اتصالات المغرب، شركة أورونج، شركة إنوي، وغيرها، ويترتب على اعتبار هذا النشاط تجاريا اكتساب القائم به للصفة التجارية، بما يخول له حقوقا ويحمله في المقابل الالتزامات التي يفرضها القانون التجاري.
⏪ تشكل هذه الأعمال التجارية الثمانية عشر، المنصوص عليها في المادة 6 من مدونة التجارة على سبيل المثال، أساس تحديد الأعمال التجارية بطبيعتها، إذ يترتب على ممارستها بصفة اعتيادية أو احترافية اكتساب صفة التاجر، ويضاف إلى هذه الأعمال انشطة تجارية آخر نصت عليه المادة 7 من مدونة التجارة و هي:
19- كل عملية تتعلق بالسفن وتوابعها (الملاحة البحرية):
تعد عمليات الملاحة البحرية من الأعمال التجارية بطبيعتها طبقا للمادة 7 من مدونة التجارة، متى تمت ممارستها بصفة اعتيادية واحترافية، ويشمل ذلك إنشاء السفن أو بنائها، واستغلالها في الرحلات البحرية لنقل الأشخاص أو البضائع من ميناء إلى آخر، وكذا شراء السفن بقصد بيعها أو تأجيرها، إضافة إلى العمليات المرتبطة بتجهيزها واستعمالها في النشاط البحري.
أما الأنشطة البحرية العرضية أو المنفردة، التي لا تمارس في إطار مقاولة أو على سبيل الاحتراف بقصد تحقيق الربح، فلا تعد أعمالا تجارية، وتبقى خاضعة للقانون المدني ما لم يرد نص قانوني خاص بخلاف ذلك.
20- كل عملية تتعلق بالطائرات وتوابعها (الملاحة الجوية):
تعد أعمال الملاحة الجوية من الأعمال التجارية وفقا للمادة 7 من مدونة التجارة، وتشمل إنشاء الطائرات، واستغلالها في الرحلات الجوية لنقل الأشخاص أو البضائع، وكذلك شراء الطائرات بغرض بيعها أو تأجيرها، ويشترط لاكتساب هذه الأعمال صفتها التجارية توفر عنصر المضاربة وقصد تحقيق الربح، وبناء عليه، تخرج الأنشطة التي تفتقر لهذا القصد من دائرة العمل التجاري.
2- الاعمال التجارية بالمماثلة او القياس
يقصد بالأعمال التجارية بالمماثلة أو ما يُعرف بالأعمال التجارية القياسية، تلك الأنشطة الاقتصادية التي لم يرد بشأنها نص صريح في المادتين 6 و7 من مدونة التجارة، غير أنها تمنح الصفة التجارية بالنظر إلى تشابهها مع الأعمال المنصوص عليها من حيث طبيعتها وأهدافها ووظيفتها الاقتصادية، ويهدف هذا النوع من الأعمال إلى مواكبة التطور المستمر للنشاط التجاري وعدم حصره في قائمة جامدة (مثل شراء وبيع الأصل التجاري، والتمويل بالإيجار، هذه اعمال تجارية غير موجودة في المادة 6 و7) و ترتكز هذه الاعمال التجارية على ما يلي:
السند القانوني: تستمد مشروعيتها بشكل واضح من المادة 8 من مدونة التجارة، التي تنص على أن الصفة التجارية تكتسب أيضا بالقياس على الأنشطة المذكورة سابقاً.
المرونة القانونية: هي أداة تمنح القانون التجاري القدرة على التطور، لكي لا يبقى حبيس نصوص جامدة، مما يسمح باستيعاب كل مهنة أو نشاط اقتصادي يظهر مستقبلاً (مثل الأنشطة الرقمية الحديثة) دون الحاجة إلى تعديل تشريعي متكرر.
دور القضاء: الذي يمنح سلطة تقديرية لمقارنة النشاط الجديد بالأعمال التجارية الأصلية، اعتمادا على عناصرها الأساسية، مثل المضاربة، الوساطة في تداول الثروات، والتنظيم المهني (مشاريع)، فإذا ثبت وجود تماثل حقيقي، أمكن للقاضي إضفاء الصفة التجارية على النشاط المعني.
المعيار الأساسي: لكي يعتبر العمل تجاريا بالمماثلة، يجب أن تتوفر فيه عناصر العمل التجاري بطبيعته، وأهمها نية تحقيق الربح (المضاربة) والممارسة على سبيل الاعتياد و الاحتراف و هو ما يميز هذا النوع من الأعمال عن الأنشطة المدنية.
![]() |
| الاعمال التجارية بالمماثلة او القياس. |
3- الأعمال التجارية الشكلية
تعرف الأعمال التجارية الشكلية بانها تلك الأنشطة التي تكتسب صفتها التجارية بناء على شكلها القانوني الذي يفرضه القانون، بصرف النظر عن صفة الشخص الذي قام بها (سواء كان تاجرا أو مدنيا) أو الغرض منها (حتى لو لم تكن تهدف للمضاربة)، أي أن العبرة فيها ليست بالمضمون الاقتصادي أو بنية تحقيق الربح، وإنما بالشكل الذي حدده القانون حصرا، و من اهم هذه الاعمال نجد الاوراق التجارية و الشركات التجارية.
وقد نصت المادة 9 من مدونة التجارة على هذا النوع من الاعمال و ذلك بالقول بانه "يعد عملا تجاريا بصرف النظر عن المادتين 6 و7 : الكمبيالة، و السند لأمر الموقع ولو من غير تاجر إذا ترتب في هذه الحالة عن معاملة تجارية".
فكيفما كانت صفة الشخص الذي يتعامل بالكمبيالة او السند لأمر، و كيفما كان السبب فان التوقيع عليهما يعد عملا تجاريا.
- الكمبيالة (Lettre de change)
يمكن تعريف الكمبيالة بانها عبارة سند محرر وفقا للشكل الذي حدده القانون، يعطي بواسطته "الساحب" (Tireur) إلى شخص آخر يسمى "المسحوب عليه" (Tiré) أمرا بأن يدفع، في تاريخ معين، مبلغا محددا الى شخص ثالث يدعى "المستفيد"(Bénéficiaire) (يمكن ان يكون الساحب هو نفسه المستفيد)، والكمبيالة هي ورقة تجارية و تعتبر أداة للوفاء والائتمان.
و يجب ان يتضمن هذا السند كافة البيانات المنصوص عليها في المادة 159 من مدونة التجارة، و الا فقد صفته كورقة تجارية و اصبح سندا عاديا لاثبات الدين اذا توافرت شروط السند، و الكمبيالة حسب المادة 9 من مدونة التجارة تعتبر عملا تجاريا بحسب الشكل بالنسبة لجميع الاطراف المتعاملين بها، و بغض النظر عما اذا كان الهدف من وراء تعاملهم بها تجاريا ام مدنيا.
- السند لامر (Le billet à ordre)
يعرف السند لأمر بأنه محرر تجاري ينشأ وفق بيانات قانونية محددة، يلتزم بمقتضاه شخص يسمى "المتعهد" بدفع مبلغ معين من النقود، في تاريخ ومكان محددين أو قابلين للتحديد، لفائدة شخص آخر يسمى "المستفيد"، ويعد السند لأمر ورقة تجارية تستعمل كأداة للوفاء والائتمان مثل الكمبيالة لكنهما يختلفان فيما يلي:
من حيث الأطراف: ينشأ السند لأمر بين طرفين فقط هما المتعهد والمستفيد، في حين تقوم الكمبيالة على ثلاثة أطراف هم الساحب، المسحوب عليه، والمستفيد.
الصفة التجارية: لا يعد السند لأمر عملا تجاريا من حيث الشكل على إطلاقه، وإنما يكتسب هذه الصفة بتوفر شروطان هما: أولا، أن يتضمن البيانات الإلزامية المنصوص عليها في المادة 232 من مدونة التجارة، و ثانيا، يشترط إذا كان موقع السند غير تاجر، أن يكون تحريره قد تم بمناسبة معاملة تجارية، أما الكمبيالة، فإنها تحتفظ بصفـتها التجارية شكليا مهما كانت صفة أطرافها أو طبيعة المعاملة التي نشأت عنها.
يتضح من ذلك أن السند لأمر يتميز بطبيعة قانونية أكثر تقييدا من الكمبيالة فيما يتعلق باكتسابه للصفة التجارية، ومع ذلك، فإنه يظل ورقة تجارية تخضع في الغالب لأحكام الكمبيالة، كلما كانت هذه الأحكام لا تتعارض مع طبيعته الخاصة.
وبناء عليه، يعتبر السند لأمر عملا تجاريا سواء كان موقعه تاجرا أو غير تاجر، غير أنه يشترط في الحالة الأخيرة أن يكون تحريره مرتبطا بمعاملة تجارية، و الا فانه يعتبر عملا مدنيا.
- الشيك (Le chèque)
يعرف الشيك بأنه ورقة تجارية تحرر وفق شكل حدده القانون، وتتضمن أمرا ناجزا يصدره شخص يسمى "الساحب" موجها إلى مؤسسة بنكية أو هيئة مماثلة لها تسمى "المسحوب عليه"، بدفع مبلغ معين من النقود عند تقديم الشيك، لفائدة شخص يسمى "المستفيد" (الذي قد يكون إما الساحب نفسه، أو شخص معين، أو الحامل).
ويعد الشيك من أكثر الأوراق التجارية شيوعا في المعاملات، غير أنه يختلف عن الكمبيالة والسند لأمر من حيث الوظيفة القانونية، إذ يعتبر أداة وفاء فورية لا أداة ائتمان، كما أنه لا يعد عملا تجاريا بحسب الشكل بنص القانون، خلافاً للكمبيالة التي اعتبرها المشرع عملا تجاريا شكليا مطلقا بموجب المادة 9 من مدونة التجارة، بغض النظر عن صفة الموقع عليها أو الغرض من إنشائها.
و ينتقد جانب من الفقه هذا التوجه الذي يضفي على الشيك طابعا مدنيا، معتبرا أن تطوره العملي جعله سندا بنكيا بامتياز، الأمر الذي يبرر ـ في نظرهم ـ معاملته معاملة الكمبيالة من حيث الصفة التجارية، غير أن هذا الرأي يصطدم بتمييز جوهري بين الورقتين، يتمثل في كون الكمبيالة أداة وفاء و ائتمان، في حين أن الشيك هو فقط أداة وفاء واجبة الأداء عند الاطلاع.
ورغم غياب نص صريح يقر بتجارية الشيك شكليا، فقد وصف أحيانا بأنه قريب من الأعمال التجارية الشكلية، وذلك لعدة اعتبارات، من أهمها خضوعه لقانون الصرف بما يتضمنه من قواعد دقيقة تتعلق بالبيانات الإلزامية، و ورود أحكامه ضمن مدونة التجارة، إضافة إلى ما يمنحه القانون له من سرعة وفعالية في التنفيذ، كما أن المشرع أسند الاختصاص النوعي في الدعاوى المتعلقة بالأوراق التجارية، ومن ضمنها الشيك، إلى المحاكم التجارية بمقتضى المادة 5 من قانون إحداث المحاكم التجارية.
غير أن خصوصية الشيك تتجلى في كونه يخضع أيضا لنظام زجري مستقل، حيث تجرم المادة 316 من مدونة التجارة بعض الأفعال المرتبطة به، وعلى رأسها إصدار شيك دون توفير مؤونة كافية، وبسبب هذا الطابع الجنائي، فإن الدعاوى الناشئة عن جرائم الشيك تختص بها المحاكم الابتدائية، دون المحاكم التجارية، وعمليا، غالبا ما يطالب بقيمة الشيك في إطار دعوى مدنية تابعة للدعوى العمومية أمام المحكمة الابتدائية.
ومع ذلك، يظل للمتضرر من جريمة إصدار شيك بدون مؤونة عدة خيارات، إذ يمكنه المطالبة بدينه أو بالتعويض إما عبر دعوى مستقلة أمام القضاء التجاري، أو بتنصيب نفسه طرفا مدنيا أمام القضاء الزجري وفقا للدعوى المدنية التابعة المنظمة بالمادة 326 من مدونة التجارة، كما يجوز له اللجوء إلى القضاء المدني بحسب الأحوال، و هذه الازدواجية في التقاضي هي ما يفسر اختلاف الآراء حول الصفة القانونية للشيك، بين من يعتبره عملا تجاريا ومن يعده عملاً مدنيا.
و ما يجب ان يعرفه التاجر، ان الشيك هو ورقة تجارية مما لا شك فيه، و انه قد يكتسب الصفة التجارية إذا حرر بمناسبة عمل تجاري، سواء كان محرره تاجرا أو غير تاجر، وإذا كان الساحب تاجرا، فإن الأصل يفترض فيه أنه أصدر الشيك لتلبية حاجات نشاطه التجاري، ما لم يثبت خلاف ذلك، وذلك تطبيقا لمقتضيات المادة 10 من مدونة التجارة.
الشركات التجارية (Les sociétés commerciales)
تعرف الشركة بأنها عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بوضع أموالهم أو عملهم، أو كليهما، في مشروع مشترك بقصد اقتسام الربح الناتج عنه، و يتميز عقد الشركة عن غيره من العقود ان ابرامه يترتب عنه نشأة شخص معنوي، و هذا معناه قابلية الشركة لان تكتسب الحقوق و تتحمل الالتزامات كما هو الحال بالنسبة للفرد الطبيعي، بمعنى ان الاعتراف للشركة بالشخصية المعنوية يجعلها شخصا قانونيا مستقلا بذاته، له اهلية و ذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء المكونين لها.
حسب القوانين المنظمة للشركات، قانون رقم 5.96 و قانون رقم 17.95، فان شركة التضامن (SNC)، شركة التوصية البسيطة (SCS)، شركة التوصية بالاسهم (SCA)، الشركة ذات المسؤولية المحدودة (SARL)، شركة الأسهم المبسطة (SAS)، و شركة المساهمة (SA)، تعد شركات تجارية بحسب شكلها و كيفما كان غرضها، ولا تكتسب الشخصية المعنوية إلا من تاريخ تقييدها في السجل التجاري، أما شركة المحاصة (SEP)، فلا تكون تجارية إلا إذا كان غرضها تجاريا، نظراً لطابعها الخفي وعدم تمتعها بالشخصية المعنوية، وبناء على ذلك، تنقسم الشركات من حيث الصفة التجارية إلى نوعين:
شركات تجارية بحسب الشكل: هي شركات التضامن، التوصية بنوعيها، المسؤولية المحدودة، الأسهم المبسطة، و شركة المساهمة، وتكون تجارية دائما مهما كان غرضها حتى و ان كان مدنيا مثل الزراعة.
شركات تجارية بحسب الغرض: وهي شركة المحاصة، التي تكون تجارية أو مدنية تبعا لطبيعة نشاطها، باعتبارها شركة خفية، لا وجود لها الا في العلاقات بين الشركاء، ولا ترمي إلى علم الغير بها، و لا تتمتع بالشخصية المعنوية.
بخصوص اكتساب الشركاء الصفة التجارية: فإن الأمر يختلف باختلاف نوع الشركة، ففي شركة التضامن يعد جميع الشركاء تجارا نظرا لمسؤوليتهم المطلقة والمتضامنة، وفي شركات المساهمة، المسؤولية المحدودة، و الأسهم المبسطة لا يكتسب الشركاء صفة تاجر، لكون المسؤولية فيها محدودة ويغلب فيها عنصر المال، أما في شركات التوصية، فيعتبر الشركاء المتضامنون تجارا، في حين لا يعد الشركاء الموصون كذلك، لأن مسؤوليتهم تظل محدودة في حدود حصصهم.
4- الأعمال التجارية بالتبعية
الأعمال التجارية بالتبعية هي أعمال تكون مدنية بطبيعتها، إلا أنها تفقد هذه الصفة وتصبح تجارية بالتبعية، نتيجة صدورها من تاجر لحاجات تجارته.
- اساس الاعمال التجارية بالتبعية:
تستند الأعمال التجارية بالتبعية إلى أساس قانوني منصوص عليه في المادة 10 من مدونة التجارة، التي تقرر أن كل عمل يقوم به التاجر بمناسبة تجارته يفترض فيه الطابع التجاري، ولو كان في أصله عملا مدنيا، ما لم يثبت العكس، ويظل هذا الافتراض قابلا لإثبات خلافه بجميع وسائل الإثبات، إذا تمكن التاجر من إظهار أن العمل موضوع النزاع لا يرتبط بنشاطه التجاري وإنما بمعاملاته المدنية.
كما تقوم الأعمال التجارية بالتبعية على أساس عملي يتمثل في مبدأ «الفرع يتبع الأصل»، إذ يكتسب العمل التابع الصفة التجارية متى كان مرتبطا بعمل تجاري أصلي، ويهدف هذا المبدأ إلى توحيد النظام القانوني المطبق على مختلف الأعمال المرتبطة بنشاط التاجر، تفادياً لإخضاعها لقواعد قانونية متباينة بين القانون التجاري والقانون المدني.
- شروط نظرية الاعمال التجارية بالتبعية:
يشترط لتطبيق نظرية الأعمال التجارية بالتبعية توافر شرطين أساسيين هما:
- صدور العمل عن تاجر:
لا يعتبر العمل تجاريا بالتبعية إلا إذا صدر عن شخص يتمتع بصفة تاجر وقت إبرامه، وبناء على ذلك، لا يمكن إضفاء الصفة التجارية على الأعمال المدنية التي يقوم بها غير التاجر، أو التي تصدر عن شخص فقد صفة التاجر، كمن اعتزل ممارسة التجارة، إذ تظل هذه الأعمال خاضعة للقانون المدني.
- ارتباط العمل بالنشاط التجاري للتاجر:
يشترط كذلك أن يكون العمل المدني مرتبطا ارتباطا مباشرا بتجارة التاجر مثل شرائه الأثاث أو الأدوات اللازمة لمحله التجاري و قيام صاحب متجر بشراء سيارة لنقل بضائعه، أما إذا كان العمل الصادر عن التاجر غير متصل بنشاطه التجاري، كالأعمال المتعلقة بحياته الخاصة أو شؤونه الشخصية، فإنه يحتفظ بطابعه المدني، ولا مجال لتطبيق نظرية الأعمال التجارية بالتبعية عليه.
5- الأعمال التجارية المختلطة
يُقصد بالأعمال التجارية المختلطة تلك الأعمال التي تكون تجارية بالنسبة لأحد الطرفين، ومدنية بالنسبة للطرف الآخر، ومن أمثلتها شراء تاجر لمحصول زراعي من فلاح بقصد إعادة بيعه، إذ يعد العمل تجاريا بالنسبة للتاجر المشتري، ومدنيا بالنسبة للفلاح البائع، وكذلك الحال عند شراء شخص عادي سلعة من تاجر لاستعماله الشخصي، حيث يكون البيع عملا تجاريا بالنسبة للتاجر، ومدنيا بالنسبة للمستهلك.
وبما أن العمل مختلط، فإن القواعد القانونية المطبقة تختلف باختلاف صفة العمل بالنسبة لكل طرف، إذ تسري قواعد القانون التجاري على الطرف الذي يعد العمل تجاريا في مواجهته، بينما تطبق قواعد القانون المدني على الطرف الذي يعتبر العمل مدنيا بالنسبة إليه، وذلك وفقاً للمادة 4 من مدونة التجارة.
وتجدر الإشارة إلى أن معيار العمل المختلط لا يقوم على صفة الأطراف، وإنما على طبيعة العمل والغرض منه، فقد يكون العمل مختلطا رغم إبرامه بين تاجرين، كما في عقد بيع عقار بين تاجرين إذا كان البائع يزاول نشاط بيع العقارات على سبيل الاحتراف، في حين اشترى المشتري العقار لاستعماله الشخصي، فيكون العمل تجاريا بالنسبة للبائع ومدنيا بالنسبة للمشتري.
وتظهر أهمية نظرية الأعمال التجارية المختلطة أساسا في مجال الاختصاص القضائي وقواعد الإثبات.
- الاختصاص القضائي
إذا نشأ نزاع عن عمل مختلط، فإن تحديد المحكمة المختصة نوعيا يتوقف على طبيعة العمل بالنسبة للمدعى عليه، فإذا كان العمل مدنيا في حقه، وجب رفع الدعوى أمام المحاكم العادية، أما إذا كان العمل تجاريا بالنسبة للمدعى عليه، فإن للمدعي الخيار بين اللجوء إلى المحكمة العادية أو المحكمة التجارية باعتبارها محكمة المدعى عليه.
- الإثبات
تختلف وسائل الإثبات باختلاف طبيعة الالتزام، فالالتزام المدني لا يثبت -كقاعدة عامة- إلا بالكتابة إذا تجاوزت قيمته 250 درهما، في حين يسود في الالتزامات التجارية مبدأ حرية الإثبات، حيث يجوز الإثبات بجميع الوسائل ما لم يوجد نص أو اتفاق على خلاف ذلك.
وبتطبيق المادة 4 من مدونة التجارة، فإن وسائل الإثبات في العمل المختلط تتحدد بحسب طبيعة العمل بالنسبة للمدعى عليه، فإذا كان العمل تجاريا في مواجهته، جاز الإثبات ضده بكافة الوسائل، أما إذا كان العمل مدنيا بالنسبة له، فانه لا يمكن سوى اعمال وسائل الاثبات المقررة في القانون المدني.
✅ ويتضح من ذلك أن المشرع المغربي اعتمد في مجال الإثبات حلا متوازنا يهدف إلى حماية الطرف الأضعف، إذ يسمح للطرف المدني بإثبات التزام التاجر بجميع وسائل الإثبات، في حين يلزم التاجر باحترام القواعد المدنية الأكثر تشددا عند إثبات التزام الطرف المدني.
ثالثا: الأعمال التجارية المستجدة غير المؤطرة تشريعيا
أفرز التطور التكنولوجي والرقمي مجموعة من الأنشطة الاقتصادية الحديثة التي أصبحت تمارس على نطاق واسع، دون أن يواكبها المشرع المغربي بعد بتنظيم قانوني خاص و واضح يحدد طبيعتها ويضبط أحكامها بدقة، ويضطر الفقه والقضاء في الغالب إلى إخضاع هذه الأنشطة للقواعد العامة للقانون التجاري أو المدني، رغم ما تطرحه من خصوصيات جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية للعمل التجاري وصفة التاجر، تعتمد على الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي، كما تتسم بالطابع الدولي والعابر للحدود، ومن أبرز هذه الأعمال التجارية المستجدة ما يلي:
- التجارة عبر المنصات الرقمية: بما في ذلك البيع عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الوساطة الإلكترونية.
- العمل الحر الرقمي (Freelancing): مثل تقديم الخدمات (التصميم، البرمجة، الترجمة) عبر الإنترنت من خلال المنصات الدولية (Upwork – Fiverr).
- صناعة المحتوى الرقمي والتأثير الإعلاني: مثل أنشطة المؤثرين، الإعلانات عبر YouTube و Instagram، و التسويق بالعمولة (Affiliate Marketing)
- أنشطة الاقتصاد التشاركي: مثل تطبيقات نقل الأشخاص منصات الإيجار القصير الأمد.
- البيع عبر البث المباشر (Live Commerce): الذي يتم أثناء التفاعل الفوري مع المستهلكين.
- التقنيات المالية الحديثة (FinTech): على رأسها العملات الرقمية والأصول المشفّرة NFTs، هناك غياب إطار قانوني صريح ينظم التداول، عدم وضوح الطبيعة القانونية (نقود؟ أصول؟)، مخاطر غسل الأموال و غيرها.
- التمويل الجماعي الرقمي: هي منصات إلكترونية لجمع التبرعات والقروض والاستثمار للمشاريع، فرغم وجود إطار قانوني جزئي يظل محدود الأثر، التطبيق العملي ما زال محدوداً ويطرح صعوبات في تصنيف العمليات (تجارية أم استثمارية؟)
- التجارة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي: بما في ذلك المتاجر المؤتمتة مثل أنظمة البيع دون تدخل بشري، و العقود التي تبرم آليا (Smart Contracts).
✅ ورغم أن المشرع المغربي سعى إلى مواكبة التحول الرقمي بإصدار القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، الذي أقر مبدأ المساواة بين الدعامة الإلكترونية والدعامة الورقية، واعترف بالعقود الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني ومنحهما حجية قانونية في الإثبات متى استوفيا الشروط المطلوبة، فإن هذا الإطار التشريعي يظل غير كافٍ لتنظيم مختلف الأنشطة التجارية المستجدة، إذ تثير هذه الأنشطة إشكالات قانونية متعددة، لاسيما من حيث تكييفها القانوني، تحديد صفة القائمين بها، ضبط المسؤولية، الاختصاص القضائي، فضلاً عن حماية المتعاملين، وهو ما يبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي مستقبلي يعيد النظر في بعض المفاهيم التقليدية للقانون التجاري، بما يضمن مواكبة التحولات الاقتصادية الرقمية وتحقيق الأمن القانوني
🔎في الختام، يشكل نظام الأعمال التجارية في القانون المغربي إطارا قانونيا متطورا يستجيب لحاجات الاقتصاد الوطني ويواكب التطورات الدولية، وقد نجح المشرع المغربي في تحقيق التوازن بين مرونة القواعد التجارية وحماية المتعاملين، الا ان التحدي الأكبر أمام القانون التجاري المغربي يبقى هو مواكبة التحولات الاقتصادية المتسارعة، خاصة في مجال الاقتصاد الرقمي والتجارة الدولية، ويتطلب ذلك تحديثا مستمرا للنصوص القانونية وتطوير الاجتهاد القضائي، بما يضمن فعالية القانون التجاري، قدرته على تنظيم الأنشطة الاقتصادية الحديثة، تشجيع الاستثمار، وتحقيق توازن عادل بين حرية المبادرة وحماية المتعاملين في السوق.
إن فهم نظام الأعمال التجارية ليس مهما فقط للمتخصصين في القانون، بل لكل تاجر أو صاحب مشروع، حيث يترتب على تكييف العمل بأنه تجاري أو مدني آثار قانونية بالغة الأهمية، تؤثر على الحقوق والالتزامات، والضمانات القانونية المتاحة، لذلك كان و لا بد، للتجار من متابعة المستجدات التشريعية والرقمية باستمرار، وتوثيق معاملاتهم بشكل سليم، واللجوء إلى الاستشارة القانونية عند إطلاق أنشطة جديدة أو غير تقليدية، خاصة في المجال الرقمي، و ذلك لحماية مشاريعهم من المخاطر القانونية و النزاعات المحتملة.


